أسعار المحروقات في موريتانيا: قراءة اقتصادية في نقاش يستحق التأمل

في خضم النقاشات والتعليقات الواسعة التي أثارتها التدوينات الأخيرة لمعالي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي، وردود الخبير الاقتصادي ووزير الاقتصاد والمالية السابق السيد سيدي أحمد ولد أبوه، أود أن أقدم هذه المساهمة المتواضعة التي لا تهدف إلى الانتصار لطرف على حساب آخر، وإنما إلى محاولة قراءة هذا النقاش من منظور اقتصادي صرف، يستند إلى المعطيات المتاحة وإلى ما راكمته الأدبيات الاقتصادية والتجارب الدولية من خبرة في إدارة الصدمات الخارجية.
والحقيقة أن جوهر النقاش لا يتعلق بأسعار المحروقات في حد ذاتها، وإنما بالسؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن لدولة نامية، مثل موريتانيا، أن تحمي القدرة الشرائية للمواطنين في مواجهة صدمة خارجية حادة، دون أن تعرض توازناتها المالية للخطر أو تفرط في الاستثمارات الضرورية لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على خلق فرص العمل؟
لقد جاءت هذه الأزمة في سياق دولي استثنائي اتسم بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن سعر لتر المازوت في الأسواق الدولية ارتفع في فترة وجيزة من نحو 514 أوقية قديمة إلى أكثر من 800 أوقية قديمة، أي بزيادة قاربت 60%، وهي زيادة لا تتحكم فيها موريتانيا ولا تختلف في آثارها كثيراً عما واجهته دول عديدة مستوردة للطاقة.
في مواجهة هذه التطورات، تبنى معالي الوزير الأول مقاربة اقتصادية ترتكز على ثلاثة مبادئ رئيسية تشكل، في نظره، الإطار الأنسب للتعامل مع هذه الصدمة الخارجية.
أولها أن الدولة لم تقف موقف المتفرج أمام الصدمة، بل تحملت جزءاً منها من خلال تخفيض العبء الضريبي على المحروقات، حيث تراجعت نسبة الضرائب من نحو 36% قبل الأزمة إلى حوالي 29% حالياً، مع الاستمرار في تحمل جزء من الكلفة الإضافية. وثانيها أن الموارد العمومية ينبغي أن توجه أساساً إلى الفئات الأكثر هشاشة بدلاً من توزيعها بشكل متساوٍ على جميع المستهلكين. وثالثها أن الحفاظ على التوازنات المالية واستمرار الاستثمار العمومي يمثلان شرطاً ضرورياً لاستدامة التنمية وتحسين مستويات المعيشة مستقبلاً.
ومن الناحية الاقتصادية، تبدو هذه المرتكزات منسجمة إلى حد كبير مع ما توصلت إليه المؤسسات الدولية والتجارب المقارنة. فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يؤكدان منذ سنوات أن الدعم الشامل للطاقة، رغم جاذبيته السياسية والاجتماعية، يستفيد منه أصحاب الاستهلاك المرتفع أكثر من الفئات الفقيرة، وأن التحويلات الاجتماعية الموجهة تحقق أثراً توزيعياً أكثر عدالة وكفاءة. كما أن الحكومة تشير إلى تعبئة ما يقارب 35 مليار أوقية لدعم المحروقات و18 مليار أوقية للبرامج الاجتماعية، شملت تحويلات نقدية ومساعدات غذائية ورفع الحد الأدنى للأجور، دون اللجوء إلى مديونية إضافية أو تجميد المشاريع الاستثمارية الكبرى. وهي معطيات تعكس وجود هامش مالي حقيقي نتج عن تحسن الانضباط المالي خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، ركز السيد سيدي أحمد ولد أبوه على جانب لا يقل أهمية، وهو خطر التضخم وآثاره الممتدة على الاقتصاد. فقد أشار إلى أن رفع أسعار المحروقات قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والمواد الغذائية، وأن هذا الأثر قد يكون أشد وطأة على الأسر محدودة الدخل. كما أثار مسألة التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية، خاصة بعد قيام البنك المركزي بتشديد سياسته النقدية لمواجهة الضغوط التضخمية.
ولا شك أن هذه الملاحظات تستند إلى أسس اقتصادية معتبرة. فالتضخم المستورد الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل بالفعل أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصادات النامية، كما أن التنسيق بين السياسات الاقتصادية المختلفة يعد شرطاً مهماً لتعزيز فعاليتها.
غير أن نقطة الضعف الرئيسية في هذه المقاربة تكمن في البديل المقترح. فامتصاص الزيادة بالكامل عبر تخفيض الضرائب أو تجميد الأسعار لفترة طويلة يعني عملياً العودة إلى شكل من أشكال الدعم الشامل. وهذا الخيار، رغم فوائده الآنية، يثير تساؤلات جوهرية حول استدامته المالية، خصوصاً إذا استمرت الأزمة الدولية لفترة أطول من المتوقع. كما أنه يؤدي إلى توجيه جزء معتبر من الموارد العمومية إلى فئات لا تحتاج فعلياً إلى الدعم بنفس الدرجة التي تحتاجه بها الأسر الهشة.
وعند النظر إلى المؤشرات الاقتصادية الكلية، تتضح صورة أكثر شمولاً. فقد حقق الاقتصاد الموريتاني خلال السنوات الأخيرة أداءً إيجابياً نسبياً، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي نمواً في حدود 4.4% خلال عام 2026، مع تراجع العجز المالي إلى مستويات قريبة من الصفر، وانخفاض الدين العمومي إلى ما يقارب 42% من الناتج المحلي الإجمالي، وتحسن الاحتياطيات الخارجية، فضلاً عن بدء تدفق العائدات الغازية الناتجة عن مشروع السلحفاة الكبرى آحميم. كما تراجعت نسبة الفقر خلال السنوات الأخيرة بفضل تحسن النمو وبرامج الحماية الاجتماعية
لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا تعني أن البلاد أصبحت بمنأى عن المخاطر. فالاقتصاد لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على القطاعات الاستخراجية، والنمو خارج هذه القطاعات ما زال محدوداً، كما أن مستويات البطالة والهشاشة الاجتماعية تتطلب مواصلة الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة والزراعة والمياه والطاقة.
ومن هنا تبدو المفاضلة أكثر وضوحاً. فإذا كان الهدف هو تخفيف أثر الصدمة خلال أسابيع أو أشهر قليلة، فإن الدعم الشامل قد يبدو حلاً أكثر راحة. أما إذا كان الهدف هو إدارة الأزمة مع الحفاظ على القدرة على تمويل التنمية والاستثمار مستقبلاً، فإن المقاربة التي تجمع بين التحمل الجزئي للصدمة والحماية الاجتماعية الموجهة تبدو أكثر اتساقاً مع مبادئ الإدارة الرشيدة للمالية العامة.
ولهذا السبب، أرى أن موقف معالي الوزير الأول هو الأكثر تماسكاً من الناحية الاقتصادية والأكثر انسجاماً مع واقع الاقتصاد الموريتاني الحالي. وليس ذلك لأن المخاوف التي طرحها السيد سيدي أحمد ولد أبوه غير مبررة، بل لأنها تظل في جانب كبير منها تحذيرات مشروعة ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تنفيذ السياسة الاقتصادية، في حين أن البديل الذي يلوح به يواجه إشكاليات أكبر تتعلق بالكلفة والاستدامة والعدالة التوزيعية.
إن قوة مقاربة الوزير الأول لا تكمن فقط في استنادها إلى منطق اقتصادي معروف دولياً، بل أيضاً في توافقها مع وضعية موريتانيا الحالية: عجز مالي محدود، دين عمومي تحت السيطرة، عائدات غازية بدأت بالظهور، وحاجة ملحة إلى المحافظة على الاستثمارات الهيكلية التي تشكل الأساس الحقيقي لتحسين مستويات المعيشة مستقبلاً. فالتجارب الدولية، من المغرب إلى إندونيسيا والبرازيل، أظهرت أن الانتقال من الدعم الشامل إلى الحماية الاجتماعية الموجهة يمثل، رغم صعوبته السياسية، الخيار الأكثر استدامة على المدى الطويل.
وفي النهاية، يبقى المعيار الحقيقي للحكم على أي سياسة اقتصادية ليس في وجاهة مبرراتها النظرية، وإنما في قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فإذا نجحت الدولة في إيصال الدعم إلى مستحقيه، والحفاظ على الاستثمارات المنتجة، والحد من الضغوط التضخمية، فإن المقاربة الحالية ستكون قد أثبتت جدواها عملياً. أما إذا تعثرت آليات التنفيذ أو ضعفت فعالية الاستهداف، فإن أفضل النظريات الاقتصادية ستفقد جزءاً كبيراً من قيمتها.
ذلك أن معيار نجاح السياسات العمومية لا يكمن في قوة الخطاب المصاحب لها أو وجاهة المبررات المقدمة بشأنها، وإنما في قدرتها الفعلية على الارتقاء بمستوى معيشة المواطنين وتحويل الموارد المتاحة إلى تنمية مستدامة وشاملة تنعكس آثارها إيجاباً على المجتمع والاقتصاد الوطني
سيداعلي جمال ولد محمد خطري ولد سگان



